محمد راغب الطباخ الحلبي

429

إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء

سبب اشتهار هذه العائلة بذلك ، وكانت تعرف ببني السيّاف . ولد رحمه اللّه سنة ألف ومائتين وإحدى وخمسين ، ولما بلغ سن التمييز شرع في القراءة والكتابة ، ثم تلقى مبادئ العلوم على علماء عصره ، منهم شيخ محلته الشيخ عمر الطرابيشي ومدرس المدرسة الأسدية الشيخ عبد المعطي النحيف . ثم شرع في تلقي العلوم الروحانية والفلكية على والده الذي كانت له اليد الطولى في هذه العلوم والشهرة الواسعة كما ألمعنا إلى ذلك في ترجمته . ثم إنه بعد وفاة والده أكب على المطالعة فيها وفي تلك الكتب التي آلت إليه من والده ، إلا أنه لم يصل إلى الدرجة التي كان عليها والده ولم تحصل له تلك الشهرة . ومن مناقبه في هذا الشأن ما حدثني به الشيخ عبد اللّه المعطي أنه كان له أخ يقرأ هو والمترجم بعض العلوم الفقهية على والده الشيخ عبد المعطي ، فأراد المترجم أن يعلّم أخا الشيخ عبد اللّه شيئا من هذه العلوم ، وباشر في ذلك ، فلم تمض مدة وجيزة إلا واعتراه الجنون ، وبقي على ذلك إلى أن توفي . وكان جالسا مرة مع الشيخ عبد اللّه ، فأخذ ورقة وكتب فيها حروفا لا تفهم ودق الورقة بمسمار ، فصارت الورقة تدور ، فأمسكها الشيخ عبد اللّه بيده وقال له : ناشدتك اللّه أن تكف عن ذلك ، فإني أخاف على نفسي وأخشى أن يصيبني ما أصاب أخي ، فأمسك عندئذ . والشيخ عبد اللّه لا زال إلى هذه السنة وهي سنة 1345 في عداد الأحياء . وتولى المترجم صندوق المالية في ولاية حلب في أيام واليها ناشد باشا وفي أيام واليها جميل باشا ، ولم يكن توليته لهذه الوظيفة عن طلب أو توسل منه ، غير أن هذه الوظيفة كان يعين لها من اتصف بالدراية والاستقامة والأمانة ، ولاجتماع هذه الخصال في المترجم دعي إلى توليتها وألح عليه في قبولها . وفي أيام ولاية جميل باشا كان حسام الدين أفندي القدسي رئيسا للمجلس البلدي ، فاتهم بالتواطؤ والاتفاق مع المترجم على مناهضة جميل باشا والقيام ضده لما كان يجريه من الأعمال الاستبدادية ، وطبعا إن ذلك لم يرق في عين جميل باشا ، وكان ممن لا يألو جهدا بالبطش بمن رام معارضته في أعماله ومعاكسته في مقاصده ، فاتهم المترجم بالخيانة في صندوق المالية ، في حين أن جميل باشا هو الذي كان يشتري بواسطة بعض الصيارف الذين وضعهم تحت يده السندات التي كانت تعطى بيد المأمورين الملكيين والعسكريين .